جارى تحميل الموقع
24 الأحد , مارس, 2019
البوابة الالكترونية محافظة القاهرة
المسرح المصري ... تاريخ عريق وإبداعات لا تنتهي

 

      المسرح المصري ... تاريخ عريق وإبداعات لا تنتهي 

 يقول أحد رواد المسرح ابن دانيال "هيئ الشخوص ورتبها وأجلس تارة المسرح بالشمع، ثم اعرض عملك على الجمهور، وقد أعددته نفسيًا لتقبل عملك : بثثت فيه روح الإنتماء إلى العرض وجعلته يشعر بأنه في خلوة معك ، فإذا ما فعلت هذا فستجد نتيجة تسر خاطرك حقًا : ستجد العرض الظلي وقد استوى أمامك بديع المثال يفوق بالحقيقة المنبعثة ما كنت قد تخيلته من قبل التنفيذ" .... هكذا وصف رواد المسرح العمل المسرحي وإبداعاته ، ففن المسرح هو الفن الوحيد الذي يلاقي رد فعل مباشر من الجمهور فإما تفاعل واضح وصريح من الجمهور ينقل على إثره العمل المسرحي إلى الشهرة أو تجاهل يؤدي به إلى عالم النسيان من الجمهور.

 

فالمسرح له طبيعة خاصة حيث أنه يحتاج من مؤدوه سرعة البديهة والتركيز والإبداع والإبهار في آن واحد، فإذا سقطت أحداهما سقط العمل كله ، فالكل يعمل في كينونة واحدة متضافرة ومتجانسة تتشكل سويًا لإخراج العمل المسرحي في أبهى حله ، فالعمل المسرحي يحتاج نص مسرحي قوي ومخرج مبدع وديكور يصور النص المسرحي ويضيف إلى إبداعه إبداعًا آخر وإضاءة توضح المجهود المبذول في العمل وننتقل إلى المؤدين أو الممثلين وإكسسواراتهم التي تخدم الشخصية والمكياج الذي يبرز ملامح الشخصية المؤداه في العمل.ا

 

المسرح المصري يبدأ بـ 12 مسرحية فرعونية 

 

      وعن تاريخ المسرح المصري فقد قيل على لسان بعض الرواد أن المسرح بشقيه الكوميدي والتراجيدي قد ظهر بادئ ذي بدء في اليونان القديمة إلا أن الاكتشافات الحديثة أثبتت أن فن المسرح بدأ بداية الأمر في مصر على يد قدماء المصريين فشرائح النصوص المسرحية التي تم إكتشافها تمثل مقاطع طويلة وقصيرة من مسرحيات يصل عددها إلى 12 مسرحية بإعتبار أنه قد اكتشف أكثر من نص عن "حورس وقد لدغه عقرب" وعن "عودة ست"، وهذا الرقم لا يتضمن بالطبع النصوص المنتمية إلى مسرحيات الشعائر الدينية المحجبة ، وتنحدر نصوص هذه المسرحيات تاريخيًا من بداية الدولة المتوسطة حوالي 2200 ق.م حتى حكم الفرس حوالي 500 ق.م ، هذا لا يحول دون إفتراض امتداد ممارسة تمثيلها بعد ذلك أثناء حكم البطالمة. 

 

 وتميزت تلك المسرحيات بموضوعات استوحت من الميثولوجيا الفرعونية وقد كان طابع النصوص آنذاك متنوعًا فبعضها مسرحيات ذات عرض ضخم وإخراج كبير وبعضها على العكس عبارة عن أخلاقيات وعبّر دينية ، وهناك الكثير من بين هذه المسرحيات كتبت بالنثر إلا ثلاثة كتبوا بالشعر وأشتهرت بأن نماذج الحوار فيها يتألف من مقاطع طويلة تتخللها فواصل راقصة مما يحمل على أنها كانت تقدم على غرار عروض الأوبرا ، كما أكد التاريخ وجود مسرحية واحدة تجمع في أسلوبها خليطًا من النثر والشعر معاً ورجح التاريخ أنها كانت تقدم على طريقة الأوبرا كوميك أو الأوبريت ، وقد قيل أن تلك المسرحيات كان يمكن تمثيلها في أى مكان دون التقيد بمكان محدد إلا المسرحيات الدينية التي كانت تجري في المعابد.

 

المسرح الإغريقي في ساحة وقصور أمراء البطالمة

وقد ظهر في مصر المسرح الإغريقى بشكله التقليدي الذى عاهدناه فى مدينة الإسكندرية فى العهد اليوناني ، وكانت المسرحيات تقدم في ساحات وقصور أمراء البطالمة إلى أن تم إنشاء المسارح على غرار أوروبا وشمال إفريقيا وسوريا مثل المسرح الروماني الذى اكتشف بالكامل عام 1964، وقد خصصت المسارح في ذلك الوقت لإجتماعات الأدباء والشعراء والعروض الفنية والموسيقية، وليأتى العصر المسيحي ليقضي على أغلب الفنون ومن بينها المسرح لإعتقادهم أنها ترتبط بأعمال وثنية ، ليأتى الإسلام ليعيد نشر الفنون ولكن بنفس الأسلوب المتبع الآن.

فن خيال الظل ... مع العصر المملوكي

 

فمع دخول العرب مصر وذيوع الشعراء المسلمين في أنحاء الدولة الإسلامية وإنفتاحهم على حضارات مختلفة وعديدة استطاعوا أن ينقلوا الكثير من الفنون والعلوم من الدول الإغريقية والرومانية ليأتي العصر المملوكي في القرن الثالث عشر لينتشر فيه فن خيال الظل والذى نشأ في بلاد القوقاز وهو عبارة عن شاشة بيضاء يقدم من خلفها شخصيات ظل لشخصيات من أشعار وقصص وموسيقى وتقدم من خلال رواية قصيرة ذات مغزى، وقد تطور ذلك الفن ليصبح العرض المسرحي أمام الشاشات البيضاء وليس خلفها، فقد اشتهر بعد ذلك فن الأراجوزات باستخدام العرائس ليغدو فناً له جمهوره ومحبيه في مصر.

 

 

     وفى عهد نابليون بونابرت وغزوه لمصر أنشأ مسرح كان هدفه في الأساس تسلية جنوده ، فقد كان يعرض عليه مسرحيات كوميدية باللغة الفرنسية وبعد خروج الحملة من البلاد إنتهت معه المسرحيات الكوميدية ولم تظهر مرة أخرى إلا بعد سنوات طويلة ليأتي عام 1869م  وتشهد مصر فيه نشأة دار الأوبرا بميدان العتبة  ليتم تقديم فيها عروض فنية بمناسبة افتتاح قناة السويس ، والذي كان فناً جديداً على المصريين، وقد كلف الخديوي إسماعيل الموسيقار الايطالي فيردي بعمل أوبرا يتم استخلاصها من التاريخ المصري القديم فقدم أوبرا عايدة ونظراً لعدم إكتمال التأليف فتم عرض اوبرا ريجوليتو أولاً وتم عرض عايدة في وقت لاحق وقد أغلقت الأوبرا فور إنتهاء الأحتفال في مصر لفترة طويلة نظراً لأن العروض الأوبرالية كانت تقدم باللغة الإيطالية ، وبعد فترة طويلة ترجمة أوبرا عايدة للغة العربية وقدمت للجمهور  والتي لاقت عدم قبول في بداية الأمر إلا أن الشعب المصري تقبل فكرة المسارح الغنائية التي إنتشرت آواخر القرن التاسع عشر.

المسرح الشعبي في شوارع المحروسة

 

     ومع مرور الوقت انتشر في شوارع مصر فن مسرحي يدعى المسرح الشعبي والذي اشتهر بتجواله في شوارع المحروسة وعرض روايات صغيرة قصيرة لا تتعدى 10 دقائق  مستخدمين الموسيقى والرقص على أن يأخذوا أجورهم من الناس محاصيل زراعية ، ولم يدخل المسرح المعاصر لمصر إلا على يد الفنان يعقوب صنوع الشهير بأبو نضارة عام 1876 الذي استطاع أن يترجم العديد من الأعمال الأدبية العالمية إلى اللغة العربية وتكوين فريق مسرحي من الشام يجسد هذه الأعمال الفنية ، وقد أولى الخديوي إسماعيل في ذلك الوقت إهتمامًا كبيراً وشجع على إنشاء فن مسرحي في مصر يضاهي الفن المسرحي في بلاد أوروبا ، ولكن هذا التشجيع سرعان مازل بعد أن توجهه صنوع للإصلاح وبدأ في إنتقاد الأمراء والآداء الحكومي وعلى رأسهم الخديوي اسماعيل مما أدى إلى غلق مسرحه  ، كما شهد نفس العام زيارة مارون نقاش وسليم نقاش لمدينة الإسكندرية لتقديم عروضهم المسرحية أيضًا ، وقد ساعدهم فى ذلك الوقت في ترجمة الأعمال الفنية إلى العربية أديب إسحاق ، وتولى بعد ذلك الأديب السوري يوسف خياط عام 1884 والذي ساهم في ترجمته للأعمال الفرنسية في إثراء  الحركة المسرحية، وما لبث أن جاء عام 1888 حتى شهدت مصر تطوراً كبيراً على يد أحمد أبو خليل القباني وفرقته المسرحية، الذي استطاع أن يؤلف أعمالاً مسرحية، فاستطاع من خلال أعماله أن يؤرخ أعماله المسرحية على مسارح القاهرة والإسكندرية.

 

فن الأوبريت وروائع جورج أبيض

 

      ومع بداية القرن العشرين انتشر فن الأوبريت ، وهو فن  مسرحى غنائي ، استطاع الإنتشار بين المصريين، وقد اشتهر بتقديم هذا الفن الفنان جورج أبيض والذي أخذ على عاتقه تأسيس المسرح الدرامي ولكن غالبية مجهوداته إتجهت إلى المسرح الغنائي، حيث استطاع أن يلجأ في مسرحياته إلى فنانين ومطربين مشهورين في ذلك الوقت منهم سلامة حجازي و سيد درويش ، وما لبث أن إنضم للفن المسرحي يوسف بك وهبي الذي استطاع أن يُحدث نقلة هامة في تاريخ المسرح الدرامي من خلال أعماله الفنية التي لاقت نجاحاً كبيراً ليس فقط داخل مصر بل في بعض الدول العربية مثل سوريا والمغرب ولبنان، ومن جانب آخر استطاع نجيب الريحاني وعلى الكسار تقديم عروض كوميدية هادفة مصرية التأليف مما جعل الشعب المصري ينادي بوجود مسرح وطني مصري والذي أنشئ عام 1921.

 

سيد درويش ونجيب الريجاني

سلامة حجازي ويوسف وهبي

 

 

المسرح القومي  ... روح جديدة تنبض في جسد المسرح

 

     وفى عام 1928 ظهر جلياً أعمال كل من الشاعر أحمد شوقي والأديب توفيق الحكيم  من خلال المسرح الشعري وأبدعا في تقديمه، واستمر الوضع هكذا حتى ظهرت السينما وإتجه أغلب رواد المسرح إلى العمل السينمائي إلا أن فن المسرح استطاع أن يثّبت خطاه نظراً لمميزاته التي تتجسد في تفاعل الممثلين مع الجمهور بطريقة مباشرة ، وساعد على بقاءه على الساحة تأسيس المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1944 والذي استطاع طلابه منذ السنة الأولى أن يأخذوا على عاتقهم تأسيس جيل جديد من الدارسيين للفن المسرحي وتغيير نظرة المجتمع للفن المسرحي والمشتغلين به، ومع حلول عام 1952 بدأت الدولة في رعاية المسرح من خلال إنشاء المسرح القومي  وتحويل الفرقة القومية المسرحية إلى فرقة المسرح القومي وظهور فرقة المسرح المصري، مما ساهم في خلق روح جديدة للعمل المسرحي على الصعيد الإخراجي والتأليف والأداء  والترجمة وخلق جمهور جديد من عشاق المسرح المصري لتأتي فترة التسعينات وتتجه أغلب العروض المسرحية إلى فكرة كوميديا الفارس وهى "الضحك للضحك" وقلت العروض الدرامية، ومن أبرز فنانين تلك الفترة الفنان القدير محمد صبحي ومحمد نجم وسمير غانم وسيد زيان وغيرهم.

 

مسرحية شاهد مشافش حاجة     مسرحية ريا وسكينة

  مسرحية سك على بناتك          مسرحية الجوكر

 

     ومن أبرز المسرحيات المصرية التي تربى عليها أجيال كاملة مسرحية "سيدتي الجميلة" و "سك على بناتك" و "المتزوجون" و "شاهد مشفش حاجة" و "الجوكر" و "مدرسة المشاغبين" و "ريا وسكينة" وغيرهم الكثير والكثير ، وما بين ذلك وتلك مازال فن المسرح شامخًا يناضل بين سائر الفنون ويقدم من إبداعاته الكثير والكثير لجمهوره المتميز.

 

المصادر :

-  أحمد نبيل الألفي ، شعبية المسرح ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1998. "متاح في مكتبة الإدارة المركزية للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمحافظة القاهرة" .

-  سليم حسن ، موسوعة مصر القديمة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، الجزء 13 ، القاهرة ، 2000 .

-   عبد الرحمن الرافعي ،  تاريخ الحركة الوطنية وتطور نظام الحكم في مصر ، دار المعارف ، الجزءالأول ، القاهرة ، 1987 .

إدوار الخراط ،  فجر المسرح “دراسات عن نشأة المسرح ، دار البستاني للنشر والتوزيع ، القاهرة ، 2003.